ابن عبد الحكم
101
فتوح مصر والمغرب
ولكنها مقادير ، ففرحت « 1 » بذلك الروم ، وشقّ ذلك على المسلمين ، وغضب عمرو بن العاص لذلك ، وكان مسلمة كثير اللحم ، ثقيل البدن . فقال عمرو بن العاص عند ذلك : ما بال الرجل المسّته الذي يشبه النساء يتعرّض مداخل الرجال ويتشبّه بهم ؟ فغضب من ذلك مسلمة ، ولم يراجعه . ثم اشتدّ القتال حتى اقتحموا حصن الإسكندرية ، فقاتلتهم « 2 » العرب في الحصن ، ثم جاشت عليهم الروم حتى أخرجوهم جميعا من الحصن إلّا أربعة نفر ، بقوا في الحصن ، وأغلقوا عليهم باب الحصن ، أحدهم عمرو بن العاص ، والآخر مسلمة بن مخلّد ، ولم نحفظ « 3 » الآخرين وحالوا بينهم وبين أصحابهم ولا تدرى الروم من هم ، فلما رأي ذلك عمرو بن العاص وأصحابه التجأوا إلى ديماس من حمّاماتهم ، فدخلوا فيه فاحترزوا به ، فأمروا روميّا أن يكلّمهم بالعربيّة ، فقال لهم : إنكم قد صرتم بأيدينا أسارى ، فاستأسروا ولا تقتلوا أنفسكم ، فامتنعوا عليهم ؛ ثم قال لهم : إن في أيدي أصحابكم منّا رجالا أسروهم ونحن نعطيكم العهود ، نفادى بكم أصحابنا ، ولا نقتلكم ، فأبوا عليهم . فلما رأى ذلك الرومىّ منهم قال لهم : هل لكم إلى خصلة وهي نصف « 4 » فيما بيننا وبينكم ، أن تعطونا العهد ونعطيكم مثله على أن يبرز منكم رجل ، ومنّا رجل ، فإن غلب صاحبنا صاحبكم استأسرتم لنا ، وأمكنتمونا من أنفسكم ، وإن غلب صاحبكم صاحبنا خلّينا سبيلكم إلى أصحابكم ، فرضوا بذلك وتعاهدوا عليه ، وعمرو ومسلمة وصاحباهما في الحصن في الديماس ، فتداعوا إلى البراز ، فبرز رجل من الروم قد وثقت الروم بنجدته وشدّته ، وقالوا : يبرز رجل منكم لصاحبنا . فأراد عمرو أن يبرز فمنعه مسلمة ، وقال : ما هذا ؟ تخطئ مرّتين ، تشذّ عن « 5 » أصحابك وأنت أمير ، وإنما قوامهم بك وقلوبهم معلّقة نحوك ، لا يدرون ما أمرك ، ثم لا ترضى حتى تبارز وتتعرض للقتل ، فإن قتلت كان ذلك بلاء على أصحابك . مكانك وأنا أكفيك إن شاء اللّه .
--> ( 1 ) تصحفت في طبعة عامر إلى « ففرجت » . ( 2 ) ب ، ج ، د ، ك : « فقاتلهم » . ( 3 ) ك : « ولم يحفظ » . ( 4 ) تصحفت في طبعة عامر إلى « نضف » . ( 5 ) في سائر الأصول الخطية : « من » وكذا طبعة عامر .